الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

697

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وقد ضبط الأئمة من الحفاظ آخر من مات من الصحابة على الإطلاق بلا خلاف أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي ، كما جزم به مسلم ، وكان موته سنة مائة على الصحيح ، وقيل سنة سبع ومائة ، وقيل سنة عشر ومائة ، وهو الذي صححه الذهبي ، وهو مطابق لقوله - صلى اللّه عليه وسلم - قبل وفاته بشهر - : « على رأسه مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد » . وفي رواية مسلم « أرأيتكم ليلتكم هذه ، فإنه ليس من نفس منفوسة تأتى عليها مائة سنة » « 1 » . وأما ما ذكر أن عكراش بن ذؤيب عاش بعد يوم الجمل مائة سنة فذلك غير صحيح ، وإن صح فمعناه أنه استكمل المائة بعد الجمل ، لا أنه بقي بعدها مائة سنة ، كما نص عليه الأئمة . وأما ما ذكر أيضا من أمر « بابارتن » « 2 » ونحوه فإن ذلك لا يروج على من له أدنى مسكة من العقل ، كما قاله الأئمة . وأما آخر الصحابة موتا بالإضافة إلى النواحي فقد أفردهم ابن منده . وأما قوله : « ثم الذين يلونهم » فهم أهل القرن الذين بعدهم ، وهم التابعون ، ثم الذين يلونهم وهم أتباع التابعين . واقتضى هذا الحديث أن تكون الصحابة أفضل من التابعين ، والتابعون أفضل من أتباع التابعين . لكن هل هذه الفضيلة بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد ؟ والذي ذهب إليه ابن عبد البر هو الأول ، كما قدمت ذلك في خصائص هذه الأمة من المقصد الرابع ، واحتج لذلك - سوى ما تقدم - بحديث « مثل أمتي مثل المطر ، لا يدرى آخره خير أم أوله » « 3 » قال الحافظ ابن حجر : وهو حديث حسن ، له طرق وقد يرتقى بها إلى درجة الصحة .

--> ( 1 ) صحيح : أخرجه مسلم ( 2537 ) في فضائل الصحابة ، باب : قوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « لا تأتى مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم » من حديث ابن عمر - رضى اللّه عنهما - . ( 2 ) قاله الذهبي في تجريده : رتن الهندي شيخ ظهر بعد الستمائة بالمشرق وادعى الصحبة ، فسمع منه الجهلة ، أو لا وجود له ، بل اختلق اسمه بعض الكذابين ، وإنما ذكرته تعجبا . ( 3 ) صحيح : أخرجه أحمد والترمذي عن أنس وأحمد عن عمار ، وأبو يعلى عن علي ، والطبراني عن ابن عمر وابن عمرو ، كما في « صحيح الجامع » ( 5854 ) .